رئيس التحريرمحمد مغوذي

الزاكي في بولزداد حكاية يليق بها ان تروى

الزاكي في بولزداد حكاية يليق بها ان تروى

ليس صحيحا أن دهشةَ الحكاية التي كتبها بادو الزاكي في الجزائر انطفأتْ بعد عودته إلى البلاد. وليس صحيحا أن الحديث عما فعله مع شباب بلوزداد ينبغي أن يتوقف. كلا، لم ينتهِ الكلام، بلِ الآنَ يبدأ. فحكاية الزاكي المكثفةُ جدا القصيرةُ جدا في جارتنا الشقيقة تستحق التأمل، لأن ما كنا نظنه محضَ خيال في الحكايات والقصص، لم يعد خيالا، ويمكن أن يحدث. وقد حدث في حكاية “الزاكي في بلوزداد”.
ككل حكاياتِ الأطفال التي تُخطف أو تُمسخ فيها الأميرة، وعندما يعجز الجميع عن إنقاذها، يظهر فجأة فارسٌ شهم ينقذ الأميرة بعد أن يهزم الجميع… كان الزاكي ذاك الفارس في بلوزداد، لكنه عكسَ كل أبطال تلك الحكايات، لم يكن انتهازيا، ولم يطلب من الأميرة الزواج بها نظير “شهامته”، بل احتفل مع الشعب بعودتها سالمة، ووضع التاج على رأسها ثم مضى تشيّعه دموع الحب. كفاه أن الأطفال هناك حتما سيحدّثهم آباؤهم عن فارس كان هنا اسمه الزاكي.
لا، ليس الأطفالُ وحدهم. كأن الزاكي في بلوزداد أصرّ على أن يقرأ عنه الكبارُ أيضا. فصنع هناك قصةً لا يفهمها إلا “الكبار” (وبعض الألقاب فيها ممنوع فعلا أن يسمعها الصغار). تشبه كل القصص السينمائية التي نرى فيها قبيلتين جارتين توارثتا أحقادا قديمة. أغلقتا الحدود بينهما. وحين تقع إحدى القبيلتين في ورطةٍ داخلية، يهب أحدُ الأبطال من القبيلة الأخرى ويعرض المساعدة. وطبعا بعد جهد وتشويق ينجح في المهمة. وأمام امتنان الجميع، يقول له كبيرُ القبيلة: “اطلبْ ما تريد”. فيردّ البطل: “افتح الحدودَ بين القبيلتين”.
نعم، ككل قصص الكبار، لم يطلب الزاكي شيئا لنفسه بل للبلدين، للشعبين، للأسرة الواحدة. وعلى عكس كل القصص التي يستجيب فيها “كبير” القبيلة لطلب البطل، لم يستجبْ “الكبير” في الجزائر لطلب الزاكي. لكن التاريخ سيذكر أن بادو الزاكي، وبعد مقام لمدة أشهر بين أبناء الشعب الجزائري، اكتشف أنّ إغلاقَ الحدود حماقة، وأن استمرارَ العداء حماقة، وأن الاكتفاء بالقول هنا وهناك إن “المشكل بين الحكومتين ولا مشكلة بين الشعوب” حماقة أيضا. فالشعوب ـ إن إرادت ـ تستطيع أن تصنعَ قرارات حكامها إن لم تكن تستطيع أن تصنعهم شخصيا.
وما بين الصغار والكبار، خطّ الزاكي من بلوزداد قصةً للمراهقين أيضا. منحهم حكاية مليئة بالتحدي كما يحبه المراهقون في ألعاب الفيديو. وكان فيها البطلَ. فحين أهّل المنتخبَ المغربي إلى كان 2004، لم يتوقع الكارهون له أن يتجاوز الدور الأول، لكنه تجاوزه بالأداء والنتيجة، بل ووصل إلى مباراة النهاية. لقد رفع السقف عاليا، وعجز عن تكرار إنجازه كلُّ من أتى بعده. حتى المدرب الذي استبدلوه به في ظروف غامضة عجز. وفي بلوزداد اختلفت المشاعر لكنْ نفس التحدي. لم يتوقع منه المحبون له أن ينقذ الفريق من النزول، لكنه أنقذه، ووصل إلى المرتبة السادسة، بل ورفع كأس الجمهورية. لقد رفع بذاك السقف عاليا أمام من سيأتي من بعده للفريق. وأي مدرب جديد لن يقبل منه الأنصار أقلَّ من لقب، أو مقعد في عصبة الأبطال.
صحيح أننا لم نسمع طلبَ الزاكي من رئيس حكومة الجزائر فتحَ الحدود في حينه. ذلك لأن صوتَ الجماهير التي تحتفل كان أعلى، فلم تكن لكلام الكبيرين حينها أية قيمة. لكن، ماذا لو كانت الآية منقلبة. وكان الكبيران هما اللذان يحتفلان، والجماهير تطلب بصوت أعلى: “افتحوا الحدود”؟ بالتأكيد لن تكون لاحتفال الكبيرين حينَها أيةُ قيمة.
شكرًا بادو لأنك بيننا. شكرا أنصار شباب بلوزداد على نبل المشاعر… لقد صنعتم معا حكايةً يليقُ بها أن تُروى.

شارك برأيك وأضف تعليق